عبد الله الأنصاري الهروي

267

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

وهذه الدّرجة أيضا التّواضع فيها للحقّ الذي هو ضدّ الباطل . [ الدّرجة الثالثة : أن تتّضع للحقّ ، فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ] الدّرجة الثالثة : أن تتّضع للحقّ ، فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ، ورؤية حقّك في الصّحبة ، وعن رسمك في المشاهدة . ( 1 ) قوله : تتّضع للحقّ ، يعني بالحقّ هنا الحقّ تبارك وتعالى ، فإنّ التّواضع في هذه الدّرجة يختصّ بالتّواضع للَّه تعالى . قوله : فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ، يعني أن تخدم الحقّ تعالى وتعبده بما أمرك به على مقتضى ما أمرك به ، لا على ما تراه أنت من رأيك ، والمقصود أن لا تعبد اللّه تعالى إلّا بمقتضى العلم الظّاهر ، وتكون في العبادة خاليا من آرائك وعقلك ، وكذلك تخرج من عوائدك التي تناقض الخدمة مثل كثرة الأكل ، وكثرة النوم ، ومصاحبة من يشغلك عن الخدمة . قوله : ورؤية حقّك في الصّحبة ، أي يجب عليك أن لا ترى لنفسك حقّا على اللّه تعالى لأجل عملك ، فإنّ صحبتك مع الحقّ ، أي مع خدمة الحقّ تعالى توجب عليك الأدب ، ومن جملة الأدب أن لا تطلب من اللّه تعالى حقّا أوجبه على نفسه لك ، وكذلك أيضا لا تطلب حقّا من حقوقك من النّاس ، وقد مضى شرح ذلك في الدّرجة الثانية . فمعنى قوله : ورؤية حقّك في الصّحبة ، أي وتنزل عن رؤية حقّك في الصّحبة . وقوله : وعن رسمك في المشاهدة ، أي ومن جملة التّواضع للحقّ نزولك عن رسمك في المشاهدة ، وهو أن تترك رسمك لتفنيه الحقيقة ، وإن كان هذا النزول هو غير متكسب ، بل هو ذاتيّ ، لأنّ التجلّي نور ، والنّور ينفر الظلمة ، / والرّسم كلّه ظلمة ، فهي تنفر من النّور ضرورة ،